السيد نعمة الله الجزائري
372
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
« رهبة لك ورجاء لعفوك » أي لأجل الخوف والرجاء ، واللام في لك إما بمعنى من أو للتعليل أي للرهبة من أجل عقابك وفيه دلالة ظاهرة على ما صار إليه جمهور المتأخرين وممن قارب عصرنا من أن العبادة بقصد الخوف من العذاب والرجاء للثواب مقبولة عند اللّه سبحانه غير منافية للإخلاص ، وقد أثنى اللّه سبحانه على أصفيائه بأنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا ، أي الرغبة في الثواب والخلاص من العقاب في مواضع من القرآن ، والأخبار مشحونة بما يدل عليه ، فما ذهب إليه كثير من علماء الخاصة والعامة من بطلان العبادة إذا قصد بفعلها تحصيل الثواب أو الخلاص من العقاب قائلا إن هذا قصد جلب النفع ودفع الضرر عن النفس لا قصد وجه اللّه سبحانه خال من التحقيق ، والحديث الوارد عن مولانا الصادق عليه السّلام نص في المطلوب ، وهو قوله العباد ثلاثة : قوم عبدوا اللّه عز وجل خوفا من العقاب فتلك عبادة العبيد ، وقوم عبدوا اللّه تعالى طلبا للثواب فتلك عبادة الأجراء ، وقوم عبدوا اللّه تعالى عز وجل حبا له فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة ، فإن قوله وهي أفضل العبادة يعطي أن العبادة على الوجهين السابقين فيه فضل أيضا ، وما استدلوا عليه بقول قدوة السالكين أمير المؤمنين عليه السّلام ما عبدتك خوفا من نارك . الحديث ، فهو عند التحقيق دليل لنا لأن تمدحه عليه السّلام وافتخاره به من أقوى الشواهد على أن النفي الوارد في الخبر من خصائص غيره والإثبات من خواصه ، وذلك مقام جليل لم يبذل لكل وارد بل ولا لواحد بعد واحد ، بل هو مقصور عليه وعلى من شركه في العصمة الإلهية ، وقولهم إن قصد الثواب أو الخلاص من العقاب في النية ينافي ما يقصده بها من التقرب إلى اللّه مما لا وجه له أيضا لأن ذلك القصد مما يحقق قصد القربة إلى اللّه سبحانه لأنه عز شأنه هو الذي جعل تلك العبادة مأمور بها لذلك القصد ، لأنه قال : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، ثم قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، أي لكي تفلحوا والفلاح هو الفوز ، وهذا البحث قد فصلناه في شرحي التهذيب والاستبصار بما لا يسعه هذا المختصر . « المستصرخين » الاستصراخ الاستغاثة . « الغافلين » الذين استغفلهم الشيطان وأوقعهم في الغفلة فمن ثم ارتكبوا الذنوب .